الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

563

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

وإنما قلنا : إن ما بيّناه هو الطريقة دون غيره لتنبيه الطائفتين ، أعني : القاصرين عن إدراك حقيقة الطريقة المغترين بظاهر صورتها ، المتشبهين بأهلها ، المقتصرين على تلك الختمات زعما منهم أنها هي الطريقة ، وقد عمّ ذلك أكثر البلدان خصوصا ديار ما وراء النهر التي كانت هي أولا معدن هذه الطريقة ومقر أهلها ، بل منبع العلوم وروضة جميع الفضيلة ، وصاروا الن يقفون الضياع والعقار لهذه الختمات ويحضرون يومين من كل أسبوع في المساجد والرباطات ، ويستعملون هذه الختمات وينفقون محصول الوقف على من يحضر فيها ، ويحسبون أن ذلك هو الطريقة مع أن الوقف والوصية بالختمات باطلة والأكل منه حرام في مذهب الحنفية . وقد علمت أن هذه الختمات ليست من حقيقة الطريقة ولا من لوازمها . والطائفة الثانية : المنكرون على الطريقة وأهلها لما رأوا من أحوال الطائفة الأولى زعما منهم أن هذه الختمات هي الطريقة لا غير ، وأنها بدعة ، حتى سمعت أن بعضهم ألّف رسالة في ردها ، ونحن نساعدهم في ذلك فإنهم لا يردون على الطريقة بل يذبون عنها في الحقيقة بالرد على الطائفة الأولى ، ونقول : ليت مشائخنا قدّس اللّه أسرارهم ، لم يكثروا من ذلك ، فإن المتوسط الذي لم يبلغ مرتبة دوام الحضور ولم يتميز ظاهره من باطنه يتضرر منها وتوجب له الوساوس والخطرات ، ولا مرد لذلك فإنه مما حكمت به المشاهدة وشهدت به التجارب ، ولكن لهم في ذلك غرض صحيح كما مر . ثم هاهنا شيء آخر موجب لزلة قدم هاتين الطائفتين ذكره الإمام الغزالي في بعض مصنفاته ، ولا بأس بإيراده هنا على وجه الاختصار . وهو هذا : وقد علم مما سبق شرف جوهر القلب وصار طريق الصوفية واضحا ، وأظنك قد سمعت من الصوفية قولهم : إن العلم حجاب عن هذه الطريقة ، فتنكر عليهم بأنه إذا كان شيء بحيث يكون العلم حجابا عنه كيف يقدم عليه ؟ أم كيف يرغب فيه ؟ وأي فضيلة له ؟ ! ، فلا تنكر على ذلك فإنه حق وصدق . فإن الاشتغال بالعلم الذي يحصل من طريق المحسوسات يكون حجابا عن هذه الأحوال البتة ، فإن القلب مثل الحوض والحواس الخمس مثل الأنهار الخمسة ينصب منها الماء فيه ، فإن أردت أن تملأ الحوض بالماء الطاهر الصافي فتدبيره : إن تسد هذا النهر أولا حتى لا ينصب فيه ماء من خارج ، ثم تفرغ الحوض من الماء والطين الأسود ثانيا ، ثم تحفر قعر